سيد محمد طنطاوي
321
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
معنا ثلاث مرات ، والمراد به هنا : ردعهم وزجرهم عما كانوا فيه من الشرك ، والتطفيف في الكيل والميزان . والفجار : جمع فاجر ، وهو مأخوذ من الفجور ، وهو شق الشيء شقا واسعا ، وسمى الفجار بذلك مبالغة في هتكهم لحرمات اللَّه ، وشقهم لستر الشريعة ، بدون خوف أو وجل . يقال : فجر فلان فجورا فهو فاجر ، وهم فجار وفجرة ، إذا تجاوزوا كل حد أمر اللَّه - تعالى - بالوقوف عنده . والمراد بالكتاب المكتوب . أي : صحيفة الأعمال . والسجّين : اختلفوا في معناه على أقوال منها : أنه علم أو وصف لواد في جهنم ، صيغ بزنة فعّيل - بكسر الفاء مع تشديد العين المكسورة - ، مأخوذ من السّجن بمعنى الحبس . يقال : سجن الحاكم فلانا يسجنه - بضم الجيم - سجنا ، إذا حبسه . قال ابن كثير : قوله : * ( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) * أي : إن مصيرهم ومأواهم لفي سجين ، - فعيل من السّجن ، وهو الضيق - ، كما يقال : فلان فسيق وشريب وخمير وسكير ونحو ذلك ، ولهذا عظم أمره فقال : * ( وما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ) * ؟ أي : هو أمر عظيم ، وسجن مقيم ، وعذاب أليم . ثم قد قال قائلون : هو تحت الأرض السابعة . . وقيل : بئر في جهنم . والصحيح أن « سجينا » مأخوذ من السّجن ، وهو الضيق ، فإن المخلوقات كل ما تسافل منها ضاق ، وكل ما تعالى منها اتسع . . ولما كان مصير الفجار إلى جهنم ، وهي أسفل سافلين . قال - سبحانه - : * ( كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ) * وهو يجمع الضيق والسفول . . « 1 » . أي : كلا ، ليس الأمر كما يزعم هؤلاء المشركون من أنه لا بعث ولا جزاء ، بل الحق أن البعث أمر واقع ، ماله من دافع ، وأن ما عمله هؤلاء الفجار من كفر ومن تطفيف في الكيل والميزان ، لمكتوب في صحائف أعمالهم ، ومسجل عليهم في ديوان الشر الذي يوصلهم إلى قاع جهنم . وقوله : * ( وما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ ) * تهويل وتفظيع لهذا الشيء الضيق الذي يؤدى إلى القذف بهم في أعماق جهنم . وقوله : * ( كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * خبر لمبتدأ محذوف يعود إلى « كتاب الفجار » والمرقوم : المكتوب كتابة واضحة بينة تشبه الخط . الظاهر في الثوب المنسوج . يقال : رقم فلان
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 371 .